حبيب الله الهاشمي الخوئي

43

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

حيث إنّه عليه السّلام نبّه بحصول الاستمساك بعد الجمود وحصول الصّلصالية بعد الصلود ومن الواضح أنّ النّتن يرتفع مع حصول الجمود واليبوسة فهو على تقدير وجوده انّما كان قبل تلك الحالة وهي حالة المسنونية المشار إليها في قوله تعالى : * ( « وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ » ) * . قال الفخر الرّازي كونه حماء مسنونا يدلّ على النّتن والتغير وظاهر الآية يدلّ على أنّ هذا الصّلصال إنّما تولد من الحمإ المسنون فوجب أن يكون كونه صلصالا مغاير الكونه حمأ مسنونا ، ولو كان كونه صلصالا عبارة عن النّتن والتغير لم يبق بين كونه صلصالا وبين كونه حمأ مسنونا تفاوت ، انتهى هذا . ويحتمل أن تكون هاتان الفقرتان إشارة إلى قوام مادّة الانسان ، فالاجماد لغاية الاستمساك راجع إلى بعض أجزاء الصّورة المجعولة كاللَّحم والعروق والأعصاب ونحوها ، والاصلاد راجع إلى البعض الاخر كالأسنان والعظام وبعد أن أكمل اللَّه سبحانه للصّورة أعضائها وجوارحها وهيّئها لقبول الرّوح أبقاها ( لوقت معدود وأجل معلوم ) أي لأجل وقت أو إلى وقت معيّن اقتضت الحكمة والمصلحة نفخ الرّوح فيها ، وإلى هذا الوقت أشير في قوله تعالى : * ( « هَلْ أَتى عَلَى الإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً » ) * . قال في مجمع البيان : وقد كان شيئا إلا أنه لم يكن شيئا مذكورا ، لأنّه كان ترابا وطينا إلى أن نفخ فيه الرّوح ، وقيل إنّه أتى على آدم أربعون سنة لم يكن شيئا مذكورا لا في السماء ولا في الأرض ، لأنّه كان جسدا ملقى من طين قبل أن ينفخ فيه الرّوح . وروى عطا عن ابن عبّاس أنّه تمّ خلقه بعد عشرين ومأئة سنة انتهى . وعن بعض الصّحف السّماويّة أنّ طينة آدم عليه السّلام عجنت أربعين سنة ثم جعلت لازبا ، ثم جعلت حمأ مسنونا أربعين سنة ثمّ جعلت صلصالا كالفخار أربعين